عبد الملك الجويني

439

نهاية المطلب في دراية المذهب

أخذه أو بمثله ، ما داما ( 1 ) في دار الحرب ، فإن اتصل الجند بدار الإسلام - كما سنصف ، إن شاء الله تعالى ، القول في المكان - فالمستقرض لا يرد على المقرض شيئاً ، فإنه انقطعت حقوق الغانمين عن الأطعمة بالتعلّق بدار الإسلام . والإمام يأخذ من المستقرض على هذا الوجه الضعيف ( 2 ) ما استقرضه إذا كانت العين باقية ، ثم إن أمكن ردُّه إلى المغنم ، فعل ، وإن تفرق الجند وعسر فضّ مُدٍّ من طعامٍ على مائة ألف ، فقد قال الصيدلاني : الإمام يصرفه إلى خمس الخمس ، عنى بذاك سهمَ المصالح ، ويجعل كأن الغانمين أعرضوا عنه ، وقيل : سبيله سبيل الفيء ، وكأنه خرج عن حكم المغنم ، وهذا ضعيف لا أصل له ، إذ لو كانوا كذلك ، لما وجب الرّد إلى المغنم إذا أمكن الردّ . وقد اتفق الأصحاب على وجوب ذلك . فإذاً المذهب فساد القرض ، وتفريعه أن المستقرض كالآخذ بنفسه ، فإن أكله في دار الحرب ، فلا تبعة ، وإن بقي معه حتى تعلّق بدار الإسلام ، فإنه يردّه إلى المغنم على تفاصيلَ سنذكرها إن شاء الله تعالى . والوجه الذي ذكره الصيدلاني أن للمقرض مطالبة المستقرض ما داما في دار الحرب ، وهذا نص الشافعي : " فإذا خرج إلى دار الإسلام ، فالردّ على الإمام " ( 3 ) إذا كانت العين قائمة ، فأما إذا أُكل واستُهلك ، وتعلقا بدار الإسلام فالذي قطع به كل محقق أنه لا يطالَب المستقرض بشيء . وإن كانت العين قائمة ، وتيسّر الردّ إلى المغنم ردّ ، وإن تعذّر ، ففيه التردّد الذي ذكرناه . فخرج مما ذكرناه أن تصحيح القرض لا يفيد إلا مطالبة المقرض المستقرضَ ما دام في دار الحرب ، فأما العين إذا كانت قائمة ردّها أو ردّ مثلها من طعام المغنم ، وكأنه ألزمه بالإقراض أن يحصّل من طعام المغنم ما يماثل ما أخذه ، فإن لم يكن في المغنم غير ما أخذ ، وقد أُكل الباقي ، ردّ ما أخذ ، وإن أتلفه ، فلا طِلْبَةَ عليه ، إذا لم يكن

--> ( 1 ) ما داما : أي المقرض والمقترض . ثم هذا في إقراضه غانماً آخر ، أما غير الغانمين ، فلا يجوز إقراضهم أصلاً ، وإذا أقرض الغانم أجنبياً ، وجب على المفترض ردّه إلى المغنم ( ر . الروضة : 10 / 265 ) . ( 2 ) الوجه الضعيف القائل بجواز المطالبة . هذا . وقد عرض النووي الوجهين ، ولم يرجح واحداً منهما . ( 3 ) ر . المختصر : 5 / 184 . وهذا معنى كلام الشافعي لا بنصه .